تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٧ - عقدة اخرى و حل الخلود في النار
منبعثة عند الآخرة من سموم أخلاقها و عاداتها الردّية.
فمن أساء عمله و أظلم جوهر نفسه و كدر مرآة فطرته و أخطأ في اعتقاده و احتجب عن مراده بحسب ما اقتضاه في أصل استعداده، فقد ظلم نفسه بظلمة جوهره و بطلان استعداده. فكان أهلا للشقاوة في مرجعه و معاده، ينادى على لسان المالك: «مهلا، فيداك أوكتا و فوك نفخ» [١] كما قال سبحانه: بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [٢/ ٢٢٥] و قوله:
وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [١٦/ ٣٣] فثبت و تحقّق إنّ ترتّب العقوبات و مقابلاتها من المثوبات هي ثمرات و لوازم و تبعات و عوارض لأمور موجودة فينا بالقوّة، تخرج يوم الآخر من القوّة إلى الفعل، بل هي مطويّة في نفوسنا في هذه النشأة، مكمونة في مكامن الطبيعة و غشاوات المادّة. فإذا قامت القيمة و كشف الغطاء و حشرت النفوس و نشرت الصحائف، أظهرها اللّه و أبرزها بحيث تترتّب عليها المثوبة و العقوبة و ينبعث منها النعمة و النقمة و الراحة و المصيبة و النعيم المقيم و العذاب الأليم.
عقدة اخرى و حل [الخلود في النار]
و لك أن تقول: إنّ الذي بقي من الإشكالات المتعلّقة بهذا المقام، و العقود المفصلة [٢] الغير المنحلّة إلى الآن عند جمهور العلماء و أهل النظر و الكلام- إلّا من نوّر اللّه بصيرته بنور الكشف- إعضال خلود الكفار في النار بالعذاب الدائم، فإنّ شيئا ممّا ذكر من الأسباب الفاعلة و المدبّرات العالية لا يوجب ذلك- لأنّها مبرّأة عن الشرور و النقائص- و لا شيئا من القوابل المادية يحتمل التعذيب الدائم و الانفعال الغير المتناهي- كما بيّن في مقامه- و الرحمة الإلهيّة التي وسعت كل شيء تنافي التعذيب الدائم كما مرّت الإشارة إليه
[١] مضى شرح هذا المثل في تعليقة ص ١٢١.
[٢] ن: المعضلة.